السيد محمد الصدر
248
تاريخ الغيبة الصغرى
ونحن نقتصر على ما في الصحيحين . والمراد بالهرج بفتح الهاء وسكون الراء ، أحد أمرين : الأول : الاختلاط والاضطراب المؤدي إلى القتل أو كثرته بين الناس . وتطبيقه في العالم في عصرنا الحاضر ما يسمى بحرب العصابات أو حرب الشوارع ، مع ما تصاحبه من الاضطرابات والبلبلة . وهذا المعنى هو الذي تؤيده المصادر اللغوية . الثاني : القتل نفسه ، وإن لم يصاحبه الاضطراب . كما هو ظاهر بعض الأخبار ، فيما أخرجه البخاري « 1 » حيث فسر الهرج بالقتل في عدة أحاديث ، مع احتمال أن يكون التفسير من الراوي . إلا أن الصحيح رجوع الأخبار إلى المعنى الأول ، وان اندرج المعنى الثاني فيها بطبيعة الحال . فإنه قال : ويكثر فيها الهرج والهرج القتل . إذن فالقتل فيها كثير ، وكثرة القتل لا تكون إلا مع البلبلة والاضطراب . وأما انطباقه على القتل الفردي فلا دليل عليه . وأما إناطتها بالساعة وجعلها من علاماتها ، فهو مما لا يخل بالمقصود لأن المراد وقوع ذلك قبل قيام الساعة ، ولو بزمان طويل . ومن المعلوم أن كل ما يقع في الغيبة الكبرى فهو واقع قبل قيام الساعة ، فيكون من علاماتها وأشراطها بطبيعة الحال . وقد سبق أن ذكر أن كل فساد وانحراف يذكر في الأخبار - عموما - فهو من أوصاف فترة الغيبة الكبرى ، المربوطة بالمهدي عليه السلام . وقد مررنا على ذلك اجمالا ، وحولنا برهانه على ما سيأتي : وفي خبر مسلم قوله ( ص ) : العبادة في الهرج كهجرة إليّ . . . زيادة على المعنى العام الذي كنا نتوخاه ، زيادة واعية إسلاميا ومطابقة للقواعد العامة ، يأتي التعرض لها في الناحية الثالثة من هذا الفصل . فهذا هو المهم من الأخبار الدالة على فساد الزمان بنحو مطلق ، من دون
--> ( 1 ) ج 9 ، ص 61 .